الشيخ عبد الغني النابلسي

225

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وكذلك أهل النار ألقاهم عدوّهم الشيطان فيها بمنجنيق وساوسه وتسويله كما قال تعالى : الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ [ محمد : 25 ] فإذا آمنوا بالله عند رؤية النار ، وأبصروا الحق في الآخرة من حين خروجهم من قبورهم ، وقال تعالى : قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 52 ] وقال تعالى : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [ السجدة : 12 ] ، قال تعالى : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [ فاطر : 37 ] ، فقال إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [ الزخرف : 77 ] ، فإذا زاد تحققهم بوضع الجبار قدمه في النار . كما ورد في الحديث « 1 » ، ونفذت بصائرهم إلى ذوق الحقيقة بوضع القدم ، وقعوا في عين الحق على ما هم عليه ، وتنعموا بما هم معذبون به ، واللّه على كل شيء قدير ، واللّه لطيف بعباده ، ورحمته وسعت كل شيء . فإنه ، أي إبراهيم خليل اللّه عليه السلام تعذب برؤيتها ، أي النار لأنها من مظهر الجلال الإلهي وهو قد أوفى الحقائق حقها ، لأنه من الكاملين وبما تعود في علمه بأن النار محرقة وتقرر عنده من أنها ، أي النار صورة خلقية قائمة بالحقيقة الأمرية تؤلم ، أي تعطي الألم والوجع لكل من جاورها ، أي اقترن بها من الحيوان إنسانا كان أو غيره وما علم إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت مراد اللّه تعالى فيها ، أي في النار ومراده تعالى منها ، أي من النار في حقه عليه السلام بخصوصه . فبعد وجود هذه الآلام والأوجاع الوهمية فيه من كونه بشرا عليه السلام وجد في وقت مسه لتلك النار بَرْداً وَسَلاماً [ الأنبياء : 69 ] عكس ما كان في ظنه منها من الحرارة والهلاك فبدله اللّه تعالى بالبرد والأمان مع شهود الصورة الكونية ، أي المخلوقة في حقه عليه السلام وهي ، أي تلك الصورة نار في عيون الناس كما كان يراها عليه السلام من قبل ثم رآها بردا وسلاما . فالشيء الواحد يتنوع إلى أنواع كثيرة في عيون الناظرين إليه إما في آن واحد كنار إبراهيم عليه السلام ، وهي نار في عين غيره وبردا وسلاما في عينه عليه السلام ، وكالصورة المنحوتة من حجر أو خشب يراها الجاهل بها إنسانا أو حيوانا ويراها العارف بها حجرا أو خشبا ، وكالصورة المرئية من بعيد يراها المتوهم فارسا أو راجلا فتؤثر في نفسه خوفا ورعبا ، ويراها المتحقق بها شجرة أو حجرا كبيرا

--> ( 1 ) الذي سبق تخريجه .